.png)
بقلم مها البواردي، الشريكة المؤسِّسة والمديرة التنفيذية في موما إنترناشيونال
دبي، الإمارات العربية المتحدة – 19 أكتوبر 2026: مع انطلاق موسم الفروسية لعام 2026 في دولة الإمارات، يشهد القطاع تحوّلاً آخر يتجاوز حدود الميدان الرياضي. إذ باتت ثقافة الفروسية تؤثر بشكل متزايد في طريقة تصوّر جيل جديد من الوجهات والمجتمعات السكنية الفاخرة.
ولا يقتصر الأمر على إنشاء منازل بجوار ملعب للبولو أو إضافة إسطبلات إلى المخطط العام. فحين يُنفَّذ تصميم الفروسية على النحو الصحيح، فإنه يبتكر أسلوب حياة متكاملاً يتمحور حول العلاقة بين المشهد الطبيعي والعمارة والطبيعة والخيول والإنسان.
وتحظى دولة الإمارات بمكانة متميّزة تؤهلها لقيادة هذا التحوّل. فالخيول ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتراث الدولة، في حين أصبح سوق العقارات الفاخرة فيها أكثر نضجاً وتطوّراً. ويتطلّع المشترون في أعلى شرائح السوق إلى ما هو أبعد من المفاهيم التقليدية للفخامة؛ إذ باتت المساحة والخصوصية والطبيعة والعافية والتجارب الأصيلة تحظى بأهمية متزايدة إلى جانب التشطيبات والمرافق والموقع. وتجمع مجتمعات الفروسية كل هذه العناصر معاً.
من أهم الدروس التي تعلّمناها في موما إنترناشيونال من خلال عملنا على مشاريع الفروسية في المنطقة، أنه لا يمكن التعامل مع الخيول كمرفق يُضاف في المراحل الأخيرة من عملية التصميم. بل يجب أن يكون عنصر الفروسية موجّهاً للمخطط العام منذ البداية.
ففي نادي دبي للبولو، حيث شمل عمل موما إنترناشيونال الفلل والفندق والإسطبلات ونادي البولو على موقع تبلغ مساحته 160 فداناً، مع إسطبلات تتسع لأكثر من 250 حصاناً، كان التحدي أوسع بكثير من تصميم مبانٍ منفردة. إذ كان لا بد أن تعمل الاستخدامات السكنية والفندقية والفروسية كأجزاء من وجهة واحدة، مع تلبية متطلبات وظيفية متباينة إلى حد كبير.
وبالمثل، شمل عملنا على مشروع سكني سرّي للبولو في دبي التخطيط العام وتصميم الفلل ضمن بيئة سكنية مخصّصة لأصحاب الثروات الفائقة. وهنا تصبح الفروسية جزءاً من هوية المجتمع وتجربته، بدلاً من أن تكون مرفقاً رياضياً مستقلاً.
ومؤخراً، امتد عملنا إلى مشروع سرّي لجزيرة خاصة في أبوظبي، ما أدخل تصميم الفروسية إلى سياق وجهة مختلف تماماً. ويُبرز هذا المشروع كيف يمكن تطبيق مبادئ تخطيط الفروسية على نطاقات وسياقات متباينة للغاية، مع مراعاة العلاقة بين الخيول والمشهد الطبيعي والعمارة والتجربة الشاملة منذ البداية.
ويغيّر ذلك طريقة تفكير المعماريين ومصممي المناظر الطبيعية في كل شيء، بدءاً من الحركة والإطلالات، وصولاً إلى الخصوصية وتجربة الوصول والفضاءات العامة.
فالمخطط العام السكني التقليدي يراعي في المقام الأول حركة الأشخاص والمركبات، أما وجهة الفروسية فتضيف مستخدماً آخر: الحصان. إذ يتعيّن على الخيول والفرسان والسكان والزوّار ومركبات الخدمة وفرق التشغيل جميعاً التنقّل بأمان داخل المشروع، وغالباً دون أن تتقاطع مساراتهم. ويتطلّب ذلك تخطيطاً دقيقاً، لكنه حين يُنفَّذ بالشكل الصحيح يمكن أن يُنتج شيئاً تتزايد قيمته في قطاع العقارات الفاخرة: إحساساً حقيقياً بالمكان.
ثمة فارق جوهري آخر بين تصميم وجهات الفروسية وتصميم الوجهات التقليدية؛ فأحد المستخدمين الرئيسيين لا يستطيع أن يخبرك متى تُخفق العمارة في أداء دورها. ولذلك يجب أن تصبح رعاية الحيوان معياراً أساسياً من معايير التصميم.
وفي منطقة الخليج، تكتسب هذه المسؤولية أهمية خاصة. فالحرارة والتعرّض لأشعة الشمس والتهوية والترطيب والظل ودرجات حرارة الأسطح والمواد المخزّنة، كلها عوامل تؤثر في مدى أمان بيئات الفروسية وراحتها. وتمتد هذه الاعتبارات إلى ما هو أبعد بكثير من الإسطبل نفسه، لتشمل المراعي والحلبات ومسارات التمرين ومناطق الانتظار والمساحات الخضراء، والمسافات التي تقطعها الخيول بين أجزاء المشروع المختلفة.
ومن ثمّ، يضطلع مهندس المناظر الطبيعية بدور بالغ الأهمية. فلا يمكن أن يقتصر دور تنسيق المشهد الطبيعي على تجميل المساحات المحيطة بمرافق الفروسية، بل يجب أن يوفّر الظل، ويلطّف المناخ المحلي، ويدير الغبار والمياه بذكاء، ويؤمّن الفصل المناسب، ويجعل التنقّل داخل المشروع مريحاً. ويكمن التصميم الجيد للفروسية في جعل هذه المتطلبات الوظيفية تبدو وكأنها تتحقق بسلاسة ودون عناء.
وثمة درس أوسع هنا للمطوّرين أيضاً، فتعريف التطوير السكني الفاخر آخذ في التغيّر. فعلى مدى سنوات طويلة، تمحور التميّز في أعلى شرائح السوق حول المنازل الأكبر مساحة، والمواد الفاخرة، والخدمات التي تحمل علامات تجارية، وبرامج المرافق التي تزداد تعقيداً. ولا تزال هذه العناصر مهمة، لكنها أصبحت أسهل تقليداً. أما التجربة فيصعب تكرارها.
ويمكن لمجتمع الفروسية أن يقدّم شيئاً مختلفاً جوهرياً: أن تستيقظ على إطلالة الخيول في أحضان الطبيعة، أو أن تتنزّه سيراً أو على ظهر الخيل عبر شبكة من المسارات، أو أن تشاهد مباريات البولو داخل مجتمعك، أو ببساطة أن تعيش الرحابة والإيقاع اللذين تتميّز بهما بيئة الفروسية. وبالنسبة إلى كثير من السكان الذين يختارون مجتمعات الفروسية، تُعدّ الخيول بالفعل جزءاً مهماً من حياتهم، ويدركون بالفطرة ما يميّز بيئات الفروسية الجيدة، سواء للحصان أو للفارس. ولذلك فإن التصميم الناجح لهذه الفئة يتطلّب ما هو أكثر من المعرفة التقنية؛ إنه يتطلّب فهماً حقيقياً للخيول وسلوكها والرابطة العاطفية التي تجمع الناس بها.
غير أن هذا تحديداً ما يجعل التخطيط العام لمشاريع الفروسية مثيراً للاهتمام، إذ لا ينبغي أن يكون الهدف إنشاء مجتمع مغلق حصرياً لمالكي الخيول والفرسان ولاعبي البولو، بل توظيف ثقافة الفروسية ومشهدها الطبيعي لابتكار أسلوب حياة مميّز يحظى بجاذبية أوسع. وبالنسبة إلى المطوّرين، يُعدّ هذا التمييز مهماً؛ فالمرافق المتخصصة يجب أن تُسهم في هوية الوجهة بأكملها وقيمتها، بدلاً من أن تخدم شريحة محدودة من السكان فقط.
ويعني ذلك أيضاً التفكير فيما هو أبعد من مرحلة إطلاق المشروع. فالخيول تحتاج إلى بنية تحتية كبيرة وصيانة متخصصة ورعاية على مدار العام. ويجب أن تواصل الحلبات والمسارات والإسطبلات والمساحات الخضراء أداءها في ظل مناخ قاسٍ لفترة طويلة بعد انتهاء الحملة التسويقية. ولذلك ينبغي أن يبدأ التخطيط التشغيلي منذ مرحلة التصميم.
فمتانة المواد واستهلاك المياه والري والطلب على الطاقة وسهولة الوصول لأعمال الصيانة والقدرة على تكييف المرافق بمرور الوقت، كلها عوامل تؤثر في الأداء طويل الأمد لوجهة الفروسية. فالمرفق الجميل الذي تصبح تكلفة تشغيله باهظة أو يصعب تشغيله لا يُعدّ تصميماً ناجحاً. وبالنسبة إلى المطوّرين من القطاع الخاص، هنا تحديداً يلتقي التصميم الجيد للفروسية مع الاستراتيجية الجيدة لإدارة الأصول. فأقوى المشاريع هي تلك التي تُعامَل فيها العمارة والمشهد الطبيعي ورعاية الحيوان والتشغيل وتجربة السكان كمنظومة واحدة مترابطة.
تمتلك دولة الإمارات بالفعل واحدة من أعرق ثقافات الفروسية في العالم. ومع استمرار نضج سوق العقارات الفاخرة فيها، تبرز فرصة لترجمة هذا الإرث إلى نمط من التطوير العقاري يشعر المرء بأنه متجذّر حقاً في هذه المنطقة، لا مستورد من خارجها.
ولا ينبغي أن يكون الجيل القادم من وجهات الفروسية مجرد أماكن لإيواء الخيول، بل أماكن لم يكن من الممكن تصوّر عمارتها ومشهدها الطبيعي وتجربتها من دونها. وحين يتحقق ذلك، تصبح الفروسية أكثر من مجرد مرفق؛ إنها تصبح جزءاً من هوية الوجهة وقيمتها وجاذبيتها على المدى الطويل.